حسن الأمين

263

مستدركات أعيان الشيعة

وهكذا فان المعطى الأول في تكوين الفكر السياسي للكواكبي تمثله مرحلة المعاناة في حلب متيحة له كشخصية مثقفة ومتفقهة في الدين ، التعرف عن كثب إلى مصادر الخلل في الدولة العثمانية ، أما المعطى الثاني الذي أسهم في غناء تجربته فقد عبرت عنه رحلاته إلى عدد من الأقطار الإسلامية ، حيث وجد فيها من التخلف ما صهر معاناته وزاد في حماسته إلى متابعة طريقه النضالي الصعب ، ويبقى المعطى الثالث الذي كان له تأثيره الأقوى في نضوج هذه التجربة وترجمتها في صياغة فكر سياسي واجتماعي واضح ، فهو المتجسد في رحلته إلى مصر ، مواكبا حركتها الفكرية الساطعة ومتأثرا برواد نهضويين كبار ، ملأوها حضورا في ذلك الحين . والمسألة القومية عند الكواكبي ، ليست منفصلة عن الحرية التي شكلت حافزه الأساسي للانخراط في السياسة ، نتيجة لما واجهه من أشكال الاستبداد ، تعصف بالعرب على الخصوص وتفرقهم في الذل والهوان ، وقد جاء كتابه « طبائع الاستبداد » « محصلا لهذه الهواجس ، إذ يبدو أنه سابق على كتابه الشهير الآخر ( أم القرى ) ، خلافا لما يراه » أنطونيوس « بان الطبائع هو الكتاب الأول الذي وضعه في مصر ونشره مقالات في صحفها . ( 1 ) وعلى الرغم من تمحور الكتاب حول أطروحة الاستبداد بصنوفه وانعكاساته المختلفة دون أن تكون المسألة القومية بارزة في عنوانه أو في سياقه بصورة مباشرة ، فان الهم العربي حاضر بين ثنايا الكتاب ، لا سيما في التوجه إلى » الناشئة العربية المباركة الأبية المعقودة آمال الأمة بين نواصيها « ( 2 ) وليس من الصعوبة ملاحظة هذا الهم وإن كان خجولا ، أو قابعا بين السطور ، وإمكانية قراءته في عبارة » القوم « المتكررة ، التي يرجح أنه يخاطب من خلالها العرب وإن كان يستخدمها بشيء من التمويه ، قاصدا بها هؤلاء حينا ، وحينا آخر المسلمين . ( 3 ) ولكن القراءة المتمعنة لخطابه السياسي في هذا الكتاب لا تدع مجالا للشك بان العرب هم من يدور في خلده ، وأن وحدتهم هي القضية التي يهجس بها وأن بالكثير من الحذر على نحو ما يؤكده في الكتاب نفسه : « يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين » . ( 4 ) والشرق عنده ليس إسلاميا بقدر ما هو عربي ، برغم وصفه له ب « الشرق الفخيم » ، إذ أن هذا الأخير ما كان « فخيما » وفقا لأطرحة الكواكبي الأساسية إلا في ظل العرب ودولتهم الأولى التي كثيرا ما يرمز لها في كتاباته خصوصا في « أم القرى » . ويقترب هذا المفهوم من الواقع ، في ما ذهب إليه من التماهي مع التجربة القومية في أوروبا التي بلغت أممها برأيه « المرتبة القصوى السامية التي تليق بالانسانية » . ( 5 ) ولعل هذه المسألة تقارب الوضوح في فكر الكواكبي الذي يعبر عنها بصورة غير مباشرة وذلك في سياق النفي بان يكون الدين أو المذهب مما يعيق هذه الوحدة أو يحول دون تنفيذها ( 6 ) مجسدا ذلك أحد الأسس الهامة للأطروحة القومية التي ستتبلور بعد الكواكبي في الجمعيات العربية السرية ذات المنحى القومي ، مثل الجمعية القحطانية والعربية الفتاة . ( 7 ) وإذا كانت مقالاته في الاستبداد على أنواعه قد عبرت عن رفضه للحكم المطلق وإبراز مساوئه وانعكاساته السلبية على كافة جوانب المجتمع دون الإحاطة المباشرة بالمسألة العربية وإشكاليات الصراع السياسي مع السلطنة العثمانية ، فان هذه المقالات ، شكلت في وقتها خطوة جريئة ورائدة في مواجهة السلطة المستبدة وتجاوزت في تطرفها حين ذاك كل الطروحات التوفيقية التي انتظم معظمها في حركة « الجامعة الإسلامية » . فهو يبدو لنا خارج هذا السلوك الوسطي ، أكثر جذرية في مفاهيمه ، متقدمة فيها الأمة - وهو تعبير يتكرر دائما في مقولاته - على أي اعتبار آخر ، ومتجاوزة مصالحها كل المصالح الشخصية ، والحرية في النتيجة هي الحل الطبيعي لمعضلة الاستبداد ، لأن « الإنسان الحر - برأيه - مالك لنفسه تماما ومملوك لقومه تماما ، ومتى يبلغ ترقي التركيب في أمة لهذه المرتبة بحيث يصير كل فرد مستعدا لأن يفتدى أمته بماله وروحه ، فعندئذ تصبح الأمة في غنى عن ماله وروحه » . ( 8 ) ويضيف هنا في السياق ذاته بان الأمة إذا لم تحسن « سياسة نفسها أذلها الله لأمة أخرى تحكمها » ، ( 9 ) متوجا بذلك تشخيصه للخلل الذي يعيق العرب عن استعادة دورهم متحررين من الاستبداد والحكم المطلق . وإذا كان ثمة من يرى بان الأمة التي يقصدها الكواكبي ، ليست بالضرورة هي الأمة العربية ، فان الإمعان في النص ، قد يضع المسألة بعيدا عن اللبس ، في أن السلطنة العثمانية لم تكتسب هذه الصفة ، خصوصا في ذلك « الزمن القومي » الذي كانت السلطنة أول المتضررين فيه ، وتحديدا من انعكاساته على القوميات الصغيرة التي أخذت تتفجر في تلك المرحلة ، دون أن يحول حين ذاك وتفجر القومية الكبرى ( 10 ) سوى العلاقة الدينية بين العرب والخلافة - السلطنة ، ووجوب الجهاد تحت رايتها دفعا للخطر الأوروبي . وهكذا فان « طبائع الاستبداد » برغم المؤشرات القليلة والملتبسة في بعض الأحيان إلى المسألة القومية ، لا نشك بان الحافز إلى كتابته في تلك الظروف الصعبة ، كان يحمل هذا الهاجس في المضمون . ويمكن ملاحظة ذلك في تكرار عبارة « الأمة » ، والدعوة إلى الاتحاد ، وإسقاط مبدأ التمايز في الدين والطائفة ، فضلا عن الحرية التي جاء طرحها على هذا النحو الاشكالي ، ما يؤكد جذرية مشروعه السياسي الذي ربما غمره كثير من التمويه المتناسب مع المرحلة ، ولكنه في النهاية كان يعبر عن هواجس تيار ، وبعكس أفكارا لم تختمر ، ويرى إلى حلول ليست تقاربها كثيرا الحلول التوفيقية ، المطروحة في ذلك الحين . ( 11 ) ولعل المسألة القومية بدت أكثر حضورا في كتابه الآخر ( أم القرى ) الذي جاء متكاملا مع « طبائع الاستبداد » ولكن من منظور خاص يرى فيه بعضهم ، بأنه التكامل الديني والاجتماعي في الكتاب الأول مع السياسي في الكتاب الثاني وقد نخالف هنا هذا الرأي في نظرته إلى « أم القرى » الذي ربما

--> ( 1 ) يقظة العرب ، ص 170 . ( 2 ) طبائع الاستبداد ، ص 7 . ( 3 ) القوم : الجماعة من الرجال والنساء جميعا . وقوم كل رجل : شيعته وعشيرته . ابن منظور ، لسان العرب ج 2 پ ص 55 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 100 - 101 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص 103 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ص 107 . ( 7 ) المرجع نفسه ، ص 107 ، أم القرى 200 اختار النصوص وقدم لها أدونيس وخالدة سعد . ( 8 ) عن الجمعيات العربية المناهضة للأتراك راجع : - 36 - 32 P . 21 AdeL lsmaiL , Dacuments Diplama tiques Et ConsulaireS T . ( 9 ) الطبائع ، ص 110 . ( 10 ) يقظة العرب ، ص 170 . ( 11 ) القومية العربية .